معاني مختلفة لعبارة كلمة الله

الكتاب المقدّس هو كتاب في غاية الأهميّة، إنّه كلمة الله المكتوبة لنا، وهو بمثابة "رسالة" من الله أبينا موجّهة

لكلٍّ منّا شخصيًّا. وهدفي في هذا المقال بشكل خاص، أن نُبيِّني ماهيّة كلمة الله والكتاب المقدّس كإعلان من

الله عن نفسه، ومن ثم مدى سلطان هذه الكلمة، والطريقة الأفضل في فهمها وتأثير ذلك في حياتنا. لكي نصل بالنتيجة إلى فهم أفضل للكتاب المقدّس وبالذّات عند استخدامنا له.

نَستخدم الكتاب المقدّس في الكثير من المواضيع الحياتيّة المختلفة أكثر من أيّ كتابٍّ سواه، وذلك لأنّ الكتاب

المقدّس هو كلمة الله لنا، إذ عن طريقه يتحدّث الله إلينا. وحينما نلقّب الكتاب المقدّس بكلمة الله فإنّنا نعني أنّ

الله يتحدّث إلينا من خلاله. لقد سبق وتحدّث الله في القديم إلى شعبه بطرق مختلفة، ففي بعض الأحيان

استحسن أن يتكلم مع البعض بصوته الواضح المسموع مثلما تحدّث إلى نوح وإبراهيم وموسى وآخرين. كما

استخدم الرؤى والأحلام لإعلان مشيئته للبعض الآخر، بينما في أحيانٍّ أخرى أجرى معجزات أمام الشعب

أو الأفراد حتّى يصلوا إلى إدراك واضح، وقد سجّل لنا الوحي في الكتاب المقدّس أغلب الطرق التي

استخدمها الله في التعامل مع البشر.

ومن الطرق التي كان الله يتعامل فيها مع شعبه في العهد القديم، استخدامه الظروف للبركة أو اللعنة كدلالة

على رضاه عن الشعب أو عدم رضاه عنهم؛ فمثلا عندما كان الشعب يخسر معركة ما أو يكسبها، فنتيجة

المعركة غالبًا تُظهِّر إن كان الله غاضبًا عليهم أو مسرورًا بهم. وسواء أكان تعامل الله يتم من خلال مخاطبته

للأشخاص، أو من خلال الأحلام والرؤى، أو من خلال المعجزات والظروف، فهذه كلّها أمثلة للطرق العديدة

أو المختلفة التي قد يتحدّث بها الله إلى شعبه.

لقد تحدّث الله بكلمات حتّى يستطيع الناس فهم كلامه، وإنّنا عادة حينما نستخدم العبارة " كلمة الله" يكون

تفكيرنا متجهًا إلى الكتاب المقدّس، وهذا صواب لأنّ الكتاب المقدّس هو كلام الله وهو في الكتاب يتحدث

إلينا.

معاني مختلفة لعبارة كلمة الله

كلمة الله

في الحقيقة، إنّ قولنا بأنّ "كلمة الله" هي عبارة محدّدة بالكتاب المقدّس فحسب هو قول غير دقيق، إذ ثمّة

أربع طرق يستخدم فيها الكتاب المقدّس بذاته العبارة "كلمة الله"، بمدلولات مختلفة وفقًا للنص والغاية التي

يريد الله أن يخبرنا بها عن كلمته كما هو مبيّن أدناه. وهو ما نستعرض لشرحه فيما يلي:

المعنى الأول: "كلمة الله" تُفيد بمعنى قوته أو ما يفعله، وللدلالة على هذا المفهوم حاول الرجوع الى الشواهد

التالية:

1 . نقرأ في تكوين 1 : 3 عن خلق الله للنور، ولكن السؤال هنا هو كيف خلق النور؟ من الواضح في الشاهد

الكتابي أنّ الخلق تمَّ من خلال تكلم الله.

2. إقرأ أيضًا عبرانيين 11 : 3 و 2 بطرس 3 : 5. ستلاحظ أنّ كِّلا الشاهدين يتحدثان عن الوسيلة التي بها

خُلق كلّ شيء في الخليقة، أي من خلال كلمته )كلمة الله( ومنذ البدء.

من الواضح أنّ الله لم يخلق العالم بواسطة الكتاب المقدّس، بل تمَّ الخلق بواسطة قوّة الله وقدرته على ذلك،

فكلمة الله إذًا تعني بحسب الشواهد الثلاثة السابقة قوّة الله وقدرته على فعل الشيء.

المعنى الثاني: "كلمة الله" تعني "المسيح"، ولفهم هذا المعنى لاحظ الشواهد الكتابيّة التالية:

1 . إقرأ يوحنا 1 : 1 - 3 لا بدَّ أنّ هذا المقطع الكتابي، يُعتبر من أهم المقاطع الكتابيّة التي تُظهر المسيح ككلمة

الله الأزلي، إذ إنّه لا يُؤكّد لنا على حقيقة أنّ المسيح هو كلمة الله فحسب، بل يُثبت لنا أزليّة تواجد المسيح منذ

البدء أي قبل الخليقة، كما يُؤكّد على حقيقة أنّ المسيح هو الله بذاته.

2 . يشرح يوحنا ما يعنيه بمصطلح الكلمة )المسيح( بأنّه هو الله، والذي صار جسدًا )أو بشرًا( )لاحظ يوحنا

1 : 14 .)

3 . لقد لُقّب يسوع المسيح "بكلمة الله". إذ أنّ الله لم يتكلّم إلينا من خلال الكتاب المقدّس فحسب أو الأنبياء، بل

تكلّم إلينا مباشرةً بابنه )لاحظ عبرانيين 1 : 1 - 3 .)

4. على ذلك فإنّ المسيح ككلمة الله، كان أوضحَ صورةٍّ لتواصل الله وتعامله معنا، فالله لم يرسل المسيح

لإيصال رسالة منه كما سبق وفعل من خلال الأنبياء، بل أعلن الله عن ذاته بأعظم صورة عبّر بها عن نفسه،

بوصفه للمسيح بأنّه كلمته المتجسِّّدة إذ إنّ يسوع المسيح هو بالحقيقة الله بذاته كما يرد في يوحنا 1 : 1 والتي

تشير إلى هذه الحقيقة.

المعنى الثالث: "كلمة الله" هي البشارة أو "الأخبار السارّة" بيسوع المسيح وعن ملكوت الله. إقرأ الشواهد

التالية لفهم ذلك:

1 . في لوقا 8 : 1 - 15 يتحدّث لوقا البشير عن محور كلام الرب يسوع المسيح أثناء تنقّله بين قرى ومدن

فلسطين، إذ إنّ شغله الشاغل كان المناداة أو نقل البشارة عن مجئ ملكوت الله.

2. أمّا مثل الزارع، فيشرح لنا ردود الفعل المتباينة لدى البشر تجاه رسالة يسوع المسيح، فالبذار التي كان

يبذرها الزارع ما هي إلاّ كلمة الله )عدد 11 (، لذا نستطيع القول أنّ العبارة "كلمة الله" هي الأخبار السارة

بملكوت الله.

3 . في أعمال الرسل 8 : 12 - 14 نجد أنّ الكاتب يستخدم عبارتين ليصف بهما ما قبِّله أهل السامرة من خلال

تبشير فيلبس، إذ يقول إنّ السكان قبلوا "الأخبار السارة عن ملكوت الله واسم يسوع المسيح" في العدد ) 12 ،)

وكذلك "كلمة الله" في العدد ) 14 .)

المعنى الرابع: "كلمة الله" هي الكتاب المقدّس. ونقصد بكلمة الله هنا الكلمة المكتوبة بالصورة المتعارف

عليها كنص مكتوب. ولتوضيح ذلك إقرأ الشواهد التالية:

1 . إرميا 30 : 1 - 2 كان إرميا نبيًّا في أزمنة العهد القديم، وجاءت إلى هذا النبي كلمة الرب، وأخبره الرب

بأن يتصرف تصرفًا خاصًا إزائها. ما هو أمر الرب للنبي ليعمله حسب كلمته التي نقرأها في الشاهد السابق؟

2 . رؤيا يوحنا 2 : 1 في هذا الشاهد نلاحظ أنّ الرب يطلب من يوحنا أن يقوم بمَهمّة مُعينّة، وهي كتابة كلماته

إلى الكنائس السبع، المدوّنة اليوم في نص سفر الرؤيا، وبذلك يأتي التأكيد من الرب في كِّلا العهدين القديم

والجديد على ضرورة كتابة كلمة الله، وفي ذلك دليل واضح على أنّ النصوص المُقدّسة المكتوبة اليوم

)الكتاب المقدّس( تمثِّل معنى آخر لمفهوم عبارة كلمة الله.

لذا، يُمكننا التأكيد الآن، أنّ الفكرة الشائعة باعتبار مصطلح "كلمة الله" مصطلحا حصريًّا، يدل على أنَّ

الكتاب المقدّس ما هو إلاّ فكرة غير دقيقة، بل إنّ مصطلح "كلمة الله" كتابيًّا يحتمل العديد من المعاني.

ولكنّ هذا التصريح يطرح العديد من الاسئلة بناءً على اعتبار أنّ لفظ "كلمة الله" أوسع من النص المكتوب

بين أيدينا، ومن هذه الأسئلة:

1 - ماذا تُعلن لنا الكلمة المكتوبة )الكتاب المقدّس(؟

2 - هل يُمكننا الوصول الى معرفة الله خارج إطار الكتابالمقدس؟

3 - كيف يُمكن للإنسان أن يستخدم مداركه وقدراته لمعرفة الله؟

4 - هل معرفة الإنسان خارج الكتاب المقدّس هي معرفة كاملة عن الله؟


٢٨ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل
1logo.png